Centre d'étude version finale.jpg

Centre d'études stratégiques pour le monde arabe (CESMA)

Centre for Strategic Studies for the Arab World (CSSAW)

مركز الدراسات الإستراتيجية للعالم العربي

 ثلاثي الفساد ومفاوضات الناقورة
علي خضر

 

21/06/2021

في منتصف تشرين الأول (أكتوبر) 2020، وبوساطة وإشراف الولايات المتحدة الأمريكية بدأت في قاعدة الأمم المتحدة في بلدة الناقورة بجنوب لبنان المفاوضات بين لبنان وإسرائيل لرسم حدودهما البحرية. وهذه المفاوضات هي الأولى من نوعها التي يلتقي فيها الطرفان وجها لوجه منذ عام 1983 بعيدا عن إشراف الأمم المتحدة. لكن منذ ذلك الحين توقفت المفاوضات، فما الذي حدث فعلا والذي أدى إلى توقفها ؟

 

لقد دخل لبنان في هذه المفاوضات من أجل التمكن من استغلال الموارد الهيدروكربونية الموجودة في قاع البحر في المنطقة الجنوبية. وحددت الشركات المختصة على أن الاحتياطيات الهيدوكربونية في المياه اللبنانية وفي المياه المتنازع عليها مع إسرائيل كبيرة وتستحق الاستثمار لاستخراجها. بالنسبة للبنان، يكتسب الجانب الاقتصادي أهمية كبرى وخصوصا وأن البلد يمر حاليا بأزمة مالية كبيرة. لكن من الضروري معرفة موضوع الوقت اللازم لعمليات الحفر واستغلال هذه الموارد. إذ لن يكون هناك فوائد اقتصادية منها إلا في غضون خمس سنوات على الأقل بعد البدء بالمشروع. لكن الموضوع لا يتوقف عند الفوائد الاقتصادية، إذ هناك أيضا مصلحة جيوسياسية تخص شرق البحر الأبيض المتوسط. فإلى جانب التنافس بين الدول الكبرى (أمريكا من جانب، الصين وروسيا من جانب آخر) للهيمنة على  المنطقة، هناك التنافس بين الدول المنتجة للنفط والغاز في المنطقة (الأمارات العربية، قطر وإيران) لإيجاد منافذ تصدير لها على الشواطئ اللبنانية، والتنافس الثالث هو بين دول إقليم شرق البحر المتوسط، أو الدول المجاورة (تركيا، مصر، قبرص وإسرائيل) على الخطوط البحرية وعلى استغلال الموارد الهيدروكربونية في المياه الشرقية للبحر. إن الجميع لديهم مصالح إستراتيجية في المياه الجنوبية للبنان، ووسط هذه الخارطة المعقدة للصراع والتنافس الإقليمي والدولي يسعى قادة السلطة اللبنانية إلى الحصول على مكان لهم في شرق البحر الأبيض المتوسط. وعدا عن كل ما ذُكر أعلاه، توجد قضية رئيسية أخرى، قضية تتعلق بالأجندة الأمنية للإدارة الأمريكية. وهنا يُلاحظ بأن الوساطة الأمريكية في هذا الأمر تهدف إلى تجنب الاشتباكات بين لبنان وإسرائيل وإلى تأمين عمليات الحفر والتنقيب
الإسرائيلية على هذه الحدود البحرية

السؤال الذي يطرح نفسه هو لماذا تم فتح أبواب المفاوضات لهذا الملف القديم وخصوصا وأن وسطاء الولايات المتحدة حاولوا مرات عديدة فتح المفاوضات لكن بدون جدوى، لكن فجأة، في تشرين أول الماضي (أكتوبر الماضي) أعلن نبيه بري (زعيم حركة أمل ورئيس مجلس النواب) أن لبنان مستعد للتفاوض بشأن المنطقة المتنازع عليها في بيروت، والتي تبلغ مساحتها 860 كيلومترًا مربعًا؟

المؤتمر الصحفي الذي نظمه نبيه بري للإعلان عن افتتاح المباحثات، جاء بعد أيام قليلة من تطبيق العقوبات الأمريكية على مسؤولين لبنانيين من أقارب نبيه بيري، عقوبات جاءت بسبب دعمهم المالي لحزب الله، بحسب واشنطن. ويبدو أن هذه العقوبات الأمريكية قد دفعت زعيم حركة أمل على قبول فتح المفاوضات حول الحدود البحرية وإبداء حُسن نيته للمضي قدما في هذا الموضوع. عمليا، هذه المفاوضات لها أيضا أبعاد وأهداف سياسية داخلية وخارجية

سؤال آخر يطرح نفسه، حسن نصر الله زعيم حزب الله، حليف أمل، الذي يُقدم نفسه دائما كزعيم المعارضة لأي شكل من أشكال النقاش

مع إسرائيل، ما هو موقفه من هذه المفاوضات ؟


لا يوجد أي شك بأن حسن نصر الله  قد وافق على هذه المفاوضات بسبب العقوبات الأمريكية على أعضاء من حزبه وبسبب العقوبات الأمريكية على إيران هذا الذي أدى إلى انخفاض عوائده المالية. ويبدو أن حسن نصر الله لم يتوقف عن التراجع وسمح لحليفه، نبيه بري، بمعالجة القضية لكنه بقى يسيطر إلى حد كبير على أجندة هذه المفاوضات

إن التنافس الحاد بين قادة السلطة الثلاثة (ميشيل عون، حسن نصر الله ونبيه بري)  في مسألة استغلال المحروقات هو في حقيقته صراع من اجل الهيمنة على السلطة، وقضية النفط والغاز تتواجد في قلب هذا الصراع. فهؤلاء الحلفاء الثلاثة الذين يحاولون أن يُظهروا قوة تحالفهم وتماسكهم، في حقيقة الأمر يتدافعون فيما بينهم لكي يسيطر أحدهم على الآخر من خلال محاولة احتكار السلطة والسيادة في البلد.

بدأت مفاوضات الناقورة على أساس مناقشة المطلب اللبناني بالسيادة على مساحة 860 كيلومتر مربع من المنطقة البحرية المتنازع عليها، وذلك وفقا لخريطة أرسلت إلى الأمم المتحدة عام 2011. لكن سرعان ما توقفت المفاوضات. ففي الجلسة الثانية، بعد ثلاثة أسابيع، قدم المفاوض اللبناني مطالب جديدة، حيث طالب بسيادة لبنانية على أكثر من 1600 كيلومتر مربع بدلاً من 860 كيلومتر مربع، ومن ضمن هذه الزيادة جزء من حقل غاز كاريش حيث منحت إسرائيل حقوق التنقيب فيه إلى شركة يونانية. وبرر لبنان هذه الزيادة على أن الخارطة القديمة استندت على حسابات خاطئة لذلك فهو يطالب بمزيد من الأراضي الجنوبية بما في ذلك جزء من حقل غاز كاريش. وأعتبر المفاوض الإسرائيلي هذه الزيادة تعدي على المناطق الإسرائيلية، والتي هي في طريق الحفر. وردوا على اللبنانيين بزيادة مساحات المياه لمطالبهم، مدعين السيادة الإسرائيلية على المياه الواقعة جنوب صيدا، وحتى المنطقة التي تسمى بلوك 5  

لماذا طالب المفاوض اللبناني بهذه الزيادة ؟ يسعى لبنان قبل كل شيء إلى توسيع مجال المناورة في النقاشات. ويحاول كذلك الرد على

الادعاءات الإسرائيلية الأساسية الغير شرعية بموجب القانون الدولي. فلبنان يعترف بقانون البحار، اتفاقية مونتيغو باي لعام 1984، لكن إسرائيل لا تعترف به. المطلب اللبناني يقوم على هذا الحق، بينما المطلب الإسرائيلي يقوم على أول طريق بحري لبناني قبرصي يعود تاريخه إلى عام 2007، وقد استغلت إسرائيل عدم اكتماله للمطالبة بسيادتها على مساحة أكبر. منذ ذلك الحين توقفت المفاوضات ولم يتم حل الموضوع

في شهر نيسان الماضي (ابريل) نشرت الصحافة الدولية ومنها فرانس 24 عن محاولة جديدة للعودة لطاولة المفاوضات من النقطة التي توقفت فيها، أي من نقطة تحديد المساحة البحرية لكل مفاوض. إن تمسك كل مفاوض بمطالبه أدى، بالطبع، إلى عدم تقدم المفاوضات. لهذا فلم يبق أمامهم غير انتظار اقتراح الوسيط الأمريكي. لكن يبدو، وبسبب الأوضاع الداخلية والدولية المقلقة ومنها تطور حجم المعارضة للسلطة اللبنانية هذا الذي يثير موضوع شرعيتها في المفاوضات وكذلك تطور الأوضاع والصراع على المستوى الإقليمي وبين القوى الكبرى على الشرق الأوسط، يبدو أن العودة إلى طاولة المفاوضات لن تكون سهلة 

 

.

.

.

.

.

.